بقلم د. خطار حاطوم
باحث واكاديمي لبناني
متخصص في علم النفس
أدى التصعيد الذي بدأ مطلع مارس/آذار 2026 إلى موجة نزوح تهدد بتغيير خريطة لبنان تغييراً جذرياً. وتشير التقديرات الحالية إلى أن نحو 900 ألف شخص أُجبروا على مغادرة منازلهم في غضون أيام. ومع إخلاء أكثر من 80 بلدة وقرية جنوبية، واقتراح فرض “منطقة أمنية” بعمق 15 كيلومتراً، تتحول الأزمة من حالة طوارئ عسكرية مؤقتة إلى إعادة تشكيل ديموغرافي دائم.
تاريخياً، كان للنزوح اللبناني متنفس عبر الحدود السورية. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الحدود فعلياً طريقاً ذا اتجاه واحد، محاصرةً ما يقارب مليون شخص داخل دولةٍ تعاني بنيتها التحتية أصلاً من الانهيار. ومع استقرار هؤلاء السكان في الشمال وجبل لبنان، لم يعد السؤال يقتصر على وجهتهم، بل يتعداه إلى ما سيحدث إن لم يتمكنوا من العودة أبداً.
الانتقال إلى الاستقرار: أزمة الاستيعاب
تشير الأبحاث إلى أن النازحين داخلياً الذين يبقون بعيداً لأكثر من 18 شهراً نادراً ما يعودون إلى الحياة الريفية. فبمجرد أن تستقر الأسر في المدن وتسجل أطفالها في المدارس الجديدة، يتضاءل ارتباطهم بقراهم الأصلية. بالنسبة للبنان، الدولة التي انهار ناتجها المحلي الإجمالي من 54.9 مليار دولار عام 2018 إلى 17.9 مليار دولار فقط عام 2023، فإن الاستيعاب القسري لسكان يعادل 20% من مواطنيها يهدد بانهيار أنظمتها الهشة تماماً.
لفهم عمق هذا التحول، يجب على المراقبين المحترفين معالجة الأسئلة الهيكلية التالية:
1- عتبة التحضر: إذا تم دمج السكان النازحين في الاقتصادات غير الرسمية لبيروت وصيدا وجبال عاليه والشوف ووادي البقاع لأكثر من عامين، فما هي الحوافز الاقتصادية المحددة المطلوبة لعكس هذا التحضر واستعادة القوى العاملة الزراعية الجنوبية؟
2- مرونة البنية التحتية: إلى أي مدى يمكن لشبكات الكهرباء والمياه في جبل لبنان والشمال – وهي أنظمة تعطلت قبل تصعيد عام 2026 – أن تتحمل زيادة دائمة بنسبة 20٪ في الطلب دون الوصول إلى حالة انهيار نظامي كامل؟
3- “الجيل الضائع” في التعليم: مع اندماج الأطفال في المدارس، كيف ستدير الدولة عملية الاندماج الاجتماعي طويل الأمد لهؤلاء الطلاب إذا لم يتم إعادة بناء مدارس قراهم الأصلية أو بقيت في منطقة عسكرية؟
4- حقوق الملكية واستخدام الأراضي: في حالة عدم وجود وصول مادي إلى الجنوب، ما هي الآليات القانونية الموجودة لمنع “الاحتلال الثانوي” أو إعادة توزيع سندات ملكية الأراضي “بحكم الواقع” التي تعود ملكيتها لأولئك الذين تم تهجيرهم بشكل دائم؟
5- الاستدامة المالية للاستضافة: مع استنزاف الخزينة اللبنانية، كيف يمكن للدولة تمويل الانتقال من “الملاجئ الجماعية” الطارئة إلى السكن الدائم دون التسبب في تضخم مفرط أو الاعتماد الكلي على المنح الدولية المتضائلة؟
6- التوازن الطائفي والديموغرافي: كيف سيؤثر النقل الدائم لمئات الآلاف من الأفراد على التوزيع الطائفي الدقيق والتمثيل السياسي الذي يقوم عليه اتفاق الطائف لعام 1989؟
7- الزراعة والأمن: إذا ظلت المنطقة العازلة التي يبلغ طولها 15 كيلومتراً معقلاً عسكرياً، فما هو التأثير طويل المدى على الأمن الغذائي الوطني في لبنان، علماً بأن هذه المنطقة توفر ما يقرب من 17% من الأراضي الخصبة في البلاد؟
8- مناطق الحدود الداخلية: هل ستتحول نقاط التفتيش البلدية “المؤقتة” وتصاريح الدخول المستخدمة حاليًا لإدارة تدفقات النازحين داخليًا إلى حدود داخلية دائمة، مما يزيد من تفتيت الدولة اللبنانية؟
9- التماسك الاجتماعي والتنافس على الموارد: ما هي العتبة التي يتحول عندها “إرهاق المجتمع المضيف” إلى اضطرابات مدنية نشطة، لا سيما مع تنافس السكان المحليين والنازحين على نفس الموارد الشحيحة من الخبز والدواء والوقود؟
10-دور المساعدات الدولية: إذا أعطى المانحون الدوليون الأولوية لـ “الاندماج” على “العودة”، فهل يؤدي ذلك عن غير قصد إلى ترسيخ الخسارة الدائمة للأراضي الجنوبية وخلق فئة جديدة من اللاجئين الدائمين داخل بلادهم؟
الخلاصة: إعادة تشكيل أمة
يشهد لبنان محوًا فعليًا لأكثر من 80 قرية من الخريطة. تتحول الملاجئ “المؤقتة” اليوم إلى مراكز حضرية غدًا، بينما يبقى الجنوب ممرًا أمنيًا مهجورًا. ومع استمرار إغلاق الحدود وشلل الدولة، يتزايد يوميًا احتمال حدوث انقسام ديموغرافي دائم.
السؤال المباشر: إذا تم إنشاء المنطقة لمدة “ستة أشهر” أو “سنة واحدة”، فما هي البنية التحتية المتبقية للعودة إليها؟ تتدهور المنازل، وتُحوّل الطرق إلى مناطق عسكرية، وتُعاد استخدام الأراضي الزراعية لأغراض أخرى. كلما طالت فترة الغياب، كلما أصبحت العودة أقرب إلى إعادة البناء منها إلى العودة الحقيقية.
شبكة أخبار لبنان