بقلم: د. خطار حاطوم
متخصص في علم النفس
في أوقات الحرب أو الأزمات العميقة، غالباً ما يُقاس البقاء على قيد الحياة بالسلع المادية الملموسة: الطعام والماء والمأوى والأمان. ومع ذلك، وراء هذه الاحتياجات المادية المباشرة يكمن شكل آخر من أشكال البقاء على قيد الحياة يحظى باهتمام أقل بكثير، ألا وهو الحفاظ على العقل البشري.
لا تقتصر آثار الحرب على تدمير المباني والمدن فحسب، بل تمتد لتشمل العالم الداخلي لمن يعيشون في ظلها. فهي تعكر صفو النوم، وتقلب الروتين اليومي، وتقّوض تدريجياً الشعور بالاستقرار الذي يمنح الناس الأمان في حياتهم. يصبح الخوف ملازماً، والغموض أمراً معتاداً. أما المستقبل – الذي كان يُتصَوّر بسهولة – فيبدو بعيداً، بل وأحياناً مستحيلاً.
في ظل هذه الظروف، لا يُعدّ الحفاظ على الصحة النفسية ترفاً، بل ضرورة.
أولى ضحايا الأزمات هي القدرة على التنبؤ. يعتمد البشر على الروتين أكثر مما يدركون في كثير من الأحيان. يوفر الإيقاع المعتاد للحياة اليومية – الاستيقاظ، والأكل، والعمل، والراحة – بنية نفسية غير مرئية. عندما يعطل الصراع هذه الأنماط، يكافح العقل لإعادة توجيه نفسه.
لهذا السبب، حتى العادات البسيطة تصبح بالغة الأهمية. فموعد محدد للوجبات، ونزهة قصيرة إن سمحت الظروف، أو بضع دقائق من القراءة أو الدعاء قبل النوم، كلها أمور تُسهم في خلق لحظات من الاستقرار. تُشير هذه العادات البسيطة إلى الدماغ بأنه على الرغم من فوضى العالم الخارجي، إلا أن بعض جوانب الحياة لا تزال تخضع لنظام واضح. لا يُزيل الروتين الخوف، ولكنه يمنعه من السيطرة على اليوم بأكمله.
لا يقل أهمية عن ذلك الحفاظ على التواصل الإنساني. فالعزلة تزيد من القلق. وعندما يواجه الأفراد الخطر بمفردهم، غالباً ما تتجه أفكارهم نحو أسوأ النتائج الممكنة. ويساهم الحوار في كسر هذه الحلقة المفرغة.
إنّ اجتماع العائلات مساءً، وتبادل الجيران للأخبار، وتواصل الأصدقاء عبر الرسائل، كلها أمور تُذكّر الناس بأنهم لا يواجهون الأزمة كأفراد منعزلين، بل كأفراد في مجتمع واحد. لقد تطورت الطبيعة البشرية لتحمّل المصاعب بشكل جماعي. إنّ معرفة أن الآخرين يشاركونهم نفس المخاوف، ونفس العزيمة على الصمود، يُخفف من وطأة المعاناة النفسية.
تُعدّ إدارة المعلومات جزءًا أساسيًا آخر من حماية الصحة النفسية. فخلال الحروب والأزمات، تنتشر الأخبار بسرعة، غالبًا عبر الشائعات أو التقارير غير المؤكدة. وقد يؤدي التعرض المستمر للتحديثات المقلقة إلى إرهاق العقل وخلق انطباع بأن الخطر دائم ولا مفر منه.
البقاء على اطلاع أمرٌ مهم، لكن التكرار المستمر للمعلومات المقلقة يزيد من القلق دون تقديم أي توجيهات عملية. من الأفضل غالبًا اختيار أوقات محددة لتلقي التحديثات ثم الابتعاد عنها، مما يتيح للعقل فترات راحة. لحظات قليلة من الهدوء بعيدًا عن ضجيج التنبيهات المتواصلة كفيلة باستعادة التوازن النفسي.
يُعدّ النوم ضحية أخرى للإجهاد المطوّل. فعندما يشعر الجسم بالخطر، يبقى نظام الإنذار الطبيعي فيه مُفعّلاً، فيصبح النوم صعباً، وتكثر الاستيقاظات الليلية، ويبقى العقل في حالة تأهب حتى عندما يكون الجسم منهكاً.
قد لا يكون النوم المثالي ممكنًا دائمًا في ظل هذه الظروف. مع ذلك، يمكن لبعض العادات أن تُحسّن الراحة: الحدّ من التعرّض للمعلومات المُزعجة قبل النوم، والحفاظ على ساعات نوم منتظمة قدر الإمكان، وخلق شعور ولو بسيط بالهدوء قبل النوم. حتى فترات الراحة القصيرة تُعيد للعقل قدرته على التفكير بوضوح والاستجابة للتحديات.
يلعب التعبير العاطفي دورًا هامًا في تعزيز القدرة على الصمود. فخلال الأزمات، يشعر الكثيرون بضغطٍ كبيرٍ لإظهار القوة في جميع الأوقات ، فيكبتون الخوف والحزن والغضب لاعتقادهم أن إظهار المشاعر قد يُضعف من حولهم.
لكن المشاعر غير المعبَّر عنها لا تختفي، بل تتراكم.
إنّ التحدث مع أفراد العائلة الموثوق بهم عن المخاوف، أو تدوين الأفكار في دفتر يوميات، أو حتى مجرد الاعتراف بالغموض بصوت عالٍ، كلها أمورٌ تُساعد على منع المشاعر من أن تُصبح طاغية. القوة لا تعني غياب الخوف، بل تعني الاستمرار في المضي قدمًا مع إدراك وجوده.
من المفارقات أن مساعدة الآخرين غالباً ما تعزز الصحة النفسية للفرد. فعندما يشعر المرء بالعجز، يزداد قلقه. أما أعمال المساعدة البسيطة – كالاطمئنان على الجار، أو مشاركة الطعام، أو المساعدة في رعاية الأطفال أو كبار السن من الأقارب – فتعيد إليه الشعور بالهدف.
حتى الأعمال البسيطة تُذكّر الأفراد بأنهم ليسوا مجرد ضحايا للظروف، بل يشاركون في دعم مجتمعهم.
تُسهم الحركة البدنية أيضاً في تعزيز الاستقرار النفسي. فخلال فترات التوتر، يُفرز الجسم مستويات مرتفعة من هرمونات التوتر. ويساعد النشاط البدني الخفيف – كالمشي أو تمارين التمدد أو الأعمال البسيطة – على تنظيم هذه الاستجابات الكيميائية. كما تُخفف الحركة من التوتر المُتراكم في الجسم، وتُحفز العمليات الكيميائية الحيوية الطبيعية التي تُعزز الهدوء.
يمكن للحظات التأمل أو الممارسات الروحية أن توفر مزيدًا من الثبات والرسوخ. بالنسبة للكثيرين، تعيد الصلاة والتأمل أو التأمل الهادئ ربطهم بقيم تتجاوز الظروف المباشرة. تُذكّر هذه الممارسات الأفراد بأن المصاعب، وإن كانت ساحقة في لحظتها، إلا أنها جزء من قصة إنسانية أوسع.
يلعب الأمل، حتى الأمل الهش، دوراً أساسياً في القدرة على التحمل العقلي.
من المهم أيضاً إدراك متى تكون المساعدة المتخصصة ضرورية. فالصدمات النفسية المطولة قد تُسبب أعراضاً مثل الهلع المستمر، والخدر العاطفي، والأرق الشديد، أو اليأس المُطبق. وعند ظهور هذه العلامات، يصبح الدعم النفسي أو الطبي ضرورياً.
لا ينبغي أبداً اعتبار طلب المساعدة ضعفاً. بل هو فعل مسؤولية تجاه الذات وتجاه أولئك الذين يعتمدون على سلامة المرء.
تُشكّل الحروب والأزمات ضغطاً هائلاً على النفس البشرية. لا أحد ينجو من هذه التجارب دون أن يتغير. ومع ذلك، يُظهر التاريخ مراراً وتكراراً أن الناس يمتلكون مرونة نفسية رائعة عندما يدعمهم التواصل والروتين والهدف والأمل.
لا تُحفظ الصحة النفسية أثناء الأزمات من خلال الأعمال البطولية وحدها، بل تُحافظ عليها من خلال أعمال الرعاية اليومية – تجاه الذات وتجاه الآخرين.
وجبة مشتركة.حديث مسائي. لحظة هادئة من الراحة. يد العون ممدودة لشخص قريب.
قد تبدو هذه الأفعال صغيرة عند مقارنتها بحجم الصراع. ومع ذلك، فإنها مجتمعة تخلق شيئاً قوياً: بنية إنسانية هشة ولكنها راسخة، تصمد حتى في أحلك الظروف.
هذا الهيكل هو ما يسمح للناس ليس فقط بتحمل الأزمة، بل أيضاً بإعادة بناء حياتهم في نهاية المطاف بعد انتهائها.
شبكة أخبار لبنان