الأربعاء , 25 فبراير 2026

ابو القاسم الشابي…

أحد أبرز شعراء تونس والعالم العربي في العصر الحديث، وصوتاً شعرياً فريداً جمع بين الرومانسية والنزعة الثورية وحب الحياة. كما تتميز كلماته ببعد فلسفي عميق، حيث دعا لتحرير الشعوب من القيود

ترك الشابي أثراً لا يمحى من الوجدان الأدبي والثقافي. تميز بتفرّده الشعري الذي جمع بين الرومانسية العميقة والنزعة الثورية وحب الحياة والإنسان. كانت قصائده مساحات للتجديد والتحدي فدعا إلى تحرير الشعوب من القيود. كتب عنه الكثيرون وغنى له المغنون ليصبح رمزاً للجمال والمعنى وللتجربة الإنسانية بين الإرادة والقدر والجمال وحب الحياة:

إذَا مَا طَمَحْـتُ إلِـى غَـايَةٍ رَكِبْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الحَذَر

وَلَمْ أَتَجَنَّبْ وُعُـورَ الشِّعَـابِ وَلا كُبَّـةَ اللَّهَـبِ المُسْتَعِـر

وَمَنْ لا يُحِبّ صُعُودَ الجِبَـالِ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَـر

فَعَجَّتْ بِقَلْبِي دِمَاءُ الشَّبَـابِ وَضَجَّتْ بِصَدْرِي رِيَاحٌ أُخَر

وَأَطْرَقْتُ، أُصْغِي لِقَصْفِ الرُّعُودِ وَعَزْفِ الرِّيَاح وَوَقْعِ المَطَـر

المولد والمنشأ:

ولد أبو القاسم بن محمد الشابي في يوم 24 شباط/فبراير 1909 في قرية الشابية بولاية توزر جنوب تونس، في أسرة متدينة ومثقفة، كان والده الشيخ محمد الشابي عالماً وقاضياً. تلقى تعليمه في جامع الزيتونة ثم الأزهر الشريف بالقاهرة. رافق الشابي والده في تنقلاته بين المدن التونسية، الأمر الذي أكسبه معرفة جيدة بطبيعة بلده وتضاريسها، ما انعكس بدوره على أشعاره فصارت تنبض بالحركة والمعاني الحية، إذ قام باختزان كل ما شاهده من واحات وحقول وجبال وطبيعة وجعلها رموزاً تعبّر عن الحياة والحرية…

بين الرومانسية والحب والثورة

لعلّ أشهر قصائد الشابي هي “إرادة الحياة” أو “لحن الحياة”، يقول في أحد أروع أبياتها:

إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ

فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ

ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي

وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر

كانت كلمات الشابي هذه حافزاً ودافعاً للإرادة، ومصدر إلهام لكثير من الحركات الوطنية والثورية منذ زمن الاستعمار إلى يومنا هذا.

لقّب الشابي بـ”شاعر الخضراء” و”فولتير العرب” إذ ينشد الحرية المطلقة في أشعاره. كما أنه ينفرد بذلك العمق في تصوير الأحاسيس فينقلها ندية تضج بالحياة، يقول في جمال أخاذ يأخذ بالألباب:

أَراكِ فَتَحْلو لَدَيَّ الحَيَاةُ ويملأُ نَفسي صَبَاحُ الأَملْ

وتنمو بصدري وُرُودٌ عِذابٌ وتحنو على قلبيَ المشْتَعِلْ

ويفْتِنُني فيكِ فيضُ الحَيَاةِ وذاك الشَّبابُ الوديعُ الثَّمِلْ

ويفْتِنُني سِحْرُ تِلْكَ الشِّفاهْ ترفرفُ مِنْ حَوْلهنَّ القُبَلْ

 

التعليم والتكوين الثقافي

بدأ الشابي تعليمه في الكتاتيب القرآنية فحفظ القرآن وهو في التاسعة من عمره، ثم انتقل سنة 1920 إلى العاصمة تونس لمتابعة دراسته في جامع الزيتونة وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، فأظهر تفوّقاً ونبوغاً مبكراً، فحصل عام 1927 على شهادة ختم الدروس الزيتونية وهي أعلى شهادة آنذاك، ثم التحق بمدرسة الحقوق التونسية وتخرج منها سنة 1930.

لم يكتف الشابي بالدروس التقليدية، بل اتجه بشغف إلى القراءة الحرة، فكان يرتاد مكتبات الصادقية والخلاونية، ويطالع الأدب العربي القديم والحديث، إضافة إلى مطالعته أيضاً للأدب الأوروبي المترجم.

المرض وبداية المعاناة

كان الشابي يعاني منذ طفولته من مرض في القلب، لكنه لم يظهر بوضوح إلا لاحقاً، ورغم تحذيرات الأطباء لم يتخل عن نشاطه الفكري والكتابي، كان مفعماً بحب الحياة في إصرار عجيب على البقاء منتصراً على آلامه وأحزانه

إعداد نعمت الصايغ

عن Nehmat Al sayegh

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *