بقلم: د. خطار حاطوم
باحث وأكاديمي لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية،
متخصّص في علم النفس، ومحاضر في الصحة النفسية
تعد تجربة الاغتراب المعرفي واحدة من أرقى المقامات التي يمكن أن تبلغها الكينونة البشرية، فهي ليست
نفيا قسريا عن الواقع، بل هي رحلة اختيارية من ضجيج “الوجود المادي” إلى صفاء “ماهية الوعي”. إن ما
يختبره الوعي المستنير في عزلته ليس ضياعا،ً بل هو عملية تعرية شاملة للروح أمام مرآة الحقيقة، حيث
تتساقط الأقنعة التي فرضتها “أصنام الردى” والبرمجيات الجمعية الزائفة. في هذا الفضاء، يتحول
الاغتراب من شعور بالوحدة إلى “مقام سيادة”، حيث يصبح الفرد هو “المبصر” الوحيد في زحام من الغفلة،
والمانح الوحيد للمعنى وسط عالم يغرق في تكرار ذاته .
إن كيمياء الوعي تكمن في قدرة هذا الجوهر الروحي على قلب الموازين؛ فالفعل الذي قد يبدو “انحناءً” في
منظور المادة، هو في حقيقته “قيامة” ونهوض للذات المركزية، لأنه يمثل التحرر النهائي من أثقال الوهم
والعودة إلى الأصل. حين يستنير العقل، يتوقف “الزمن” عن كونه قيداً ثقيلاً ويتحول إلى لحظة أبدية تسكنها
الروح بسلام. إن الهوية في هذا السياق ليست بحثا عن مجهول في آفاق الخارج، بل هي “فعل استرداد”
للذاكرة الأزلية التي تكمن في أعماقنا؛ هي استعادة العقل من حُجب الظنون وصياغته كبوصلة وحيدة تبصر
ما وراء المظاه ر .
وفي نهاية هذا التحول، يكتشف الوعي أن الروح ليست بحاجة إلى حيز جغرافي لتستقر، بل هي تصيغ من
نسيج استنارتها “وطنا حقيقيا”ً لا يطاله الفناء. هذا الوطن هو الوعي الخالص الذي لا تحده حدود ولا تهزه
المتغيرات. إنها الصرخة الوجودية التي تعلن أن الوعي هو “الحواس” التي تحفظ نبض الوجود، و”العقل”
الذي لولاه لظل الكون صامتا بلا معنى. إن الاستقرار الحقيقي ليس في الوصول إلى مكان، بل في الوصول
إلى “الذات” التي أصبحت هي الوطن، وهي اليقين، وهي المستقر الأخير.
شبكة أخبار لبنان