بقلم د. خطار حاطوم
باحث واكاديمي لبناني متخصص في علم النفس
بينما تنشغل مراكز الأبحاث الدولية بتحليل النزاعات البشرية المعاصرة، هناك “حرب أهلية” أخرى تجري فصولها الآن في أعماق منتزه “كيبالي” الوطني في أوغندا. إنها حرب “نغوغو” (Ngogo)، الصراع الأكثر دموية وطولاً في تاريخ الشمبانزي المسجل، والذي بدأ عام 2015 ولا يزال مستعراً حتى عام 2026. هذا الصراع ليس مجرد شجار عابر، بل هو “انشطار عظيم” لمجتمع كان يوماً ما واحداً، ليتحول إلى فصيلين يمارسان القتل الممنهج لسنوات.
من غومبي إلى نغوغو: تاريخ “الإخوة الأعداء”
من الناحية التاريخية، صُدم العالم بـ “حرب غومبي” (1974-1978) التي وثقتها “جين غودال” في تنزانيا، حيث أبادت مجموعة من الشمبانزي أصدقاء الأمس بدم بارد. لكن حرب “نغوغو” الحالية تتجاوز غومبي في وحشيتها ومدتها الزمنية، فهي تثبت أن “الحرب الأهلية” ليست استثناءً تاريخياً، بل هي نمط سلوكي مستمر.
من الناحية الفلسفية، ان هذا الانقسام المستمر منذ عقد من الزمن في أوغندا يسخر من فكرة “التقدم الأخلاقي”. نحن نتقاتل في المدن بالصواريخ، وهم يتقاتلون في الغابات بالأنياب، وكلا الطرفين—البشري والشمبانزي—يمارسان الاستراتيجية نفسها: تجريد الصديق القديم من “إنسانيته” (أو رفاقيته) لتحويله إلى هدف مشروع للقتل.
نحن البشر، بأناقة مظهرنا وقوانين مواثيقنا الدولية، نظهر للملأ أن حروبنا “عقلانية” ولها أسباب “سامية” كالسيادة أو الديمقراطية. لكن صراع “نغوغو” المستمر يهمس في أذن الحضارة:
”لا نحتاج إلى أيديولوجيا كي نتقاتل، جُلّ ما نحتاجه عدوا كان يوماً شقيقاً.”
إنها كذبة “السموّ الحضاري”!
القردة في نغوغو لم يقرأوا “ميكافيلي” ولم يتابعوا نشرات الأخبار، ومع ذلك فهم يمارسون “السياسة الواقعية” (Realpolitik)
بأبشع صورها: حصار، اغتيالات، وتوسيع نفوذ.
إن استمرار حرب الشمبانزي في أوغندا حتى عام 2026 هو “الصفعة الفلسفية” الأقوى لادّعائنا التميز. نحن نستخدم الأقمار الصناعية لتحديد أهدافنا، وهم يستخدمون حاستهم الفطرية، والنتيجة واحدة: أرض محروقة وجثث لأفراد كانوا يوماً ما عائلة واحدة.
المأساة ليست في أننا نتشابه مع الشمبانزي في العنف، بل في أننا نملك “الوعي” لنعرف أن الحرب دمار، ومع ذلك نستمر فيها. الشمبانزي في نغوغو سجين غريزته، أما الإنسان فهو سجين “كبريائه” الذي يجعله يخترع ألف قصيدة وألف قانونا ليبرّر لماذا يجب أن يموت جاره.
صمت المختبرات وصراخ الغابة
بينما يوثق العلماء حرب نغوغو كأطول صراع “غير بشري”، يجعلنا نتساءل: من الذي يقلد الآخر؟ هل نحن “قردة متعلمة” تملك أدوات تدمير أوسع؟ أم أن الحرب هي اللغة الوحيدة التي لم تستطع أي حضارة—بشرية كانت أو بدائية—ترجمتها إلى “سلام” دائم؟
في عام 2026، يبدو أن الغابة والمدينة تتحدثان بلهجة واحدة: لهجة الانقسام. والفرق هنا أن الشمبانزي في أوغندا لا يمتلك “محللين” ليكذبوا بشأن أسباب الحرب؛ هم يقتلون لأنهم يستطيعون، بينما نحن نقتل لأننا “سجناء ضرورة التاريخ “
شبكة أخبار لبنان