خلف الكاميرات، حيث يغيب الضوء ويهدأ الضجيج، تظهر حكاية مختلفة تمامًا. هناك، لا حاجة لعبارات مصقولة ولا لشعارات كبيرة، بل كلمات بسيطة تخرج مثقلة بالتعب والخذلان.
ما يُقال في العلن شيء، وما يُهمس في الخفاء شيء آخر تمامًا. في تلك المساحة الصادقة، تختصر الجملة كل شيء: “يا ريت ما صارت هالحرب”.
في الواجهة، يتكرر خطاب “المقا..و..مة” و”الصمود” و”التصدي”، كقصة جاهزة تُبث وتُعاد لتوحيد المشهد
وبناء صورة متماسكة. صورة عن ناس لا يخافون ولا يتعبون، عن أمهات لا يذرفن الدموع، وآباء لا يترددون، وأطفال يحملون أحلامًا أكبر من أعمارهم.
لكن هذه الصورة تبدأ بالتلاشي كلما اقتربنا من الواقع، حيث تتقدّم الخسائر على البطولات، والتعب على الشعارات، والأسئلة على اليقين.
ومع تصاعد كلفة الحرب على لبنان، تتكشف أزمة إنسانية قاسية تتسع يومًا بعد يوم.
نزوحٌ هائل من الجنوب والضاحية والبقاع، يقابله غياب شبه كامل لخطة منظمة تستوعب هذا الحجم من الكارثة.
المساعدات المتوفرة تقتصر بمعظمها على مواد غذائية داخل مراكز الإيواء بينما تُترك أزمة السكن للعائلات التي تواجه مصيرها وحدها.
في المناطق الأكثر أمانًا، خصوصًا في جبل لبنان والشمال، ارتفعت الإيجارات بشكل غير مسبوق، حتى بات العثور على مسكن لائق مهمة شبه مستحيلة.
ومع غياب شبكة ملاجئ واضحة أو خطة استباقية، تحوّل النزوح إلى عبء يومي ثقيل يثقل كاهل آلاف العائلات.
في المقابل، تتبادل الجهات المعنية الاتهامات، فيما يكشف الواقع فجوة واضحة بين حجم الأزمة والاستجابة لها فالمساعدات الغذائية رغم أهميتها، لا تلامس جوهر المشكلة المرتبط بالسكن والاستقرار والعيش بكرامة.
إلى جانب ذلك، تتزايد الضغوط المعيشية مع تأخر التعويضات وبدلات الإيواء التي وُعد بها المتضررون،
ما يرفع منسوب التوتر داخل المجتمع. كما أن الأوضاع المالية الصعبة وتراجع الدعم الخارجي يحدّان من القدرة على احتواء الأزمة، ما يترك شريحة واسعة من الناس في مواجهة مباشرة مع واقع
قاسٍ.
الأخطر ما ينتظر في المرحلة المقبلة، مع تحديات العودة وإعادة الإعمار، في ظل غياب مؤشرات جدية على دعم خارجي قريب. فالمنازل التي دُمّرت والقرى التي تضررت، تطرح سؤالًا كبيرًا: من سيعيد بناء كل هذا؟
ورغم محاولات إظهار التماسك، تتصاعد في الخفاء شكاوى صامتة لعائلات تجد نفسها عاجزة عن تحمّل الأعباء المعيشية والسكنية، من دون شبكة دعم كافية.
في المحصلة، تكبر الهوّة بين الصورة المعلنة والواقع الحقيقي. فالشعارات لا تكفي، والمساعدات المحدودة لا تعالج الأزمة.
ويبقى السؤال الأصدق على لسان النازحين: من يعيد لنا بيوتنا وحياتنا كما كانت
خاص لموقع اخبار لبنان : الزميلة زينات محمود دهيني
شبكة أخبار لبنان