رأى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن “الوضعية اللبنانيّة بكاملها بحاجة إلى إعادة ترتيب”، معتبرًا أنه “عندما يتحوّل حزب الله إلى حزب سياسي سنجلس معه إلى الطاولة للبحث في المشاريع المستقبلية للبلد”.
وكشف عن “توّجه القوات اللبنانيّة نحو تحالف وطني عريض في الانتخابات النيابية المقبلة يشمل معظم المناطق والدوائر الانتخابية، بعنوان “مشروعنا السياسي الذي نعرفه جميعاً”.
وفنّد رئيس القوات الوضع الحالي لقطاع الطاقة، بعد تعيين الهيئة الناظمة للكهرباء معتبرا انه “أكبر إنجاز في هذا الملف، فضلاِ عن أن ساعات التغذية تحسّنت تدريجياً في عهد الوزير جو صدي”.
كلام جعجع جاء في حلقة “صار الوقت” عبر “MTV”، وقال: “ما حصل أمام مجلس النواب، بالإضافة إلى بعض المداخلات، يوحي بانطباع وكأن البلاد وصلت إلى آخر الدنيا. هذا المشهد أعاد إلى الذاكرة أيام الحرب، حين كانت القذيفة ترتفع مترين أو ثلاثة عن الأرض، فلا يُعرف إن كانت صاعدة أو نازلة، ما يسبّب ارتباكًا في التقدير. اليوم، يرى الناس القذيفة على هذا الارتفاع، إلا أن بعضهم يتعامل معها كما في السابق، على أنها نازلة، فيما الواقع أنها صاعدة، ما يستوجب التروّي وضبط النفس. وفي هذا السياق، يبرز موقف وزير المالية، على الرغم من الاختلاف معه في العديد من النقاط، كما يبرز موقف رئيس الحكومة، إذ إن المقاربة القائمة على إسقاط شخص فور بدء أي عملية سرقة ليست مقاربة سليمة ولا دقيقة، ولا سيّما أن ما يُطرح لا يعكس موقف الشعب. من الواضح أن رئيس الحكومة ووزير المالية يمتلكان حكمة وإمكانات، ويعملان على مقاربة وضع الموازنة والخزينة بالشكل المناسب.
وفي المقابل، لا أحد ينكر واقع المتقاعدين أو العاملين حاليًا في الأسلاك العسكرية أو المدنية ضمن إدارات الدولة، ولا أحد يعتبر أن رواتبهم مرتفعة أو مرضية، بل إن هذا الواقع معروف أكثر من غيره، غير أن جوهر البحث لا يكمن هنا. رجل الدولة مطالب بالنظر إلى شؤون الدولة كافة، لا بحصر المشكلة بأجور العاملين أو المتقاعدين فحسب، إذ لو كانت المسألة بهذه البساطة لكان من السهل حسابها. إلى جانب ذلك، هناك أموال المودعين المحتجزة في المصارف، وهناك معاناة أهل الجنوب الذين يمضون أيامهم منذ أكثر من سنة خارج منازلهم، ما يفرض مقاربة شاملة للمسؤولية. من هنا، يبرز التمني بأن يتخذ جميع النواب هذا الموقف، بحيث يكون الخطاب واضحًا: الحقوق محفوظة ولا يتم التغاضي عنها، لكن المطلوب هو البحث في كيفية تسيير شؤون الدولة ككل، وكيفية تحريك الأمور معًا، وهو ما يحتاج إلى قدر من الهدوء والتعقّل”.
أضاف: “بعيدًا من أجواء التشاؤم السائدة التي لا تبدو في مكانها، يظهر أن المسار خلال السنة الماضية وحتى اليوم يسير في اتجاه مختلف. من دون الدفاع عن الحكومة، ومن دون تجميل الوقائع أو تجاهل العيوب، يبقى أن موازنة الدولة سجّلت فائضًا يقارب المليار دولار، سنة بعد سنة، وصولًا إلى عام 2025 وبداية 2026، ما يدل على أن الأمور تتجه نحو المسار الصحيح. ومع ذلك، تبقى الصورة شبيهة بالقذيفة التي ترتفع مترين أو ثلاثة عن الأرض، حيث يصعب الجزم إن كانت صاعدة أم نازلة، ما يفرض قراءة هادئة ومتأنية للواقع”.
تابع: ” إن بعض الخطابات المتوترة والمشحونة، وما يُطرح من عبارات استفزازية، يوحي وكأن الأمور تتجه إلى فوضى غير محسوبة، فيما الحقيقة أن كثيرين لم يستمعوا إلى التصريحات كاملة، بل اكتفوا بمشاهد مقتطعة وتصريحات مجتزأة. من خلال متابعة بعض الصور والتصريحات النيابية، يبرز خطاب يركّز على المتقاعدين بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا، وهم بالفعل خدموا الدولة طوال حياتهم، وعدم إعطائهم حقوقهم يشكّل مشكلة حقيقية تمسّ كرامة الناس وحقوقهم الأساسية. لكن تحويل هذا الملف إلى مادة خطابية شعبوية، تحت عنوان الاستحقاق النيابي المقبل، يفسّر سبب اعتماد هذا النوع من الخطاب، في حين أن الشعبوية قد تفيد مرحليًا، لكنها تنكشف في نهاية المطاف ولا تبني دولة في أي حال من الأحوال. وفي ما يتصل بكلام الشيخ نعيم قاسم، فإن هذا الكلام مرفوض بكل المقاييس، ليس من زاوية شخصية أو انفعالية، بل لأنه يتجاوز القوانين ويطيح بالدساتير ويضرب الدولة اللبنانية على كل مستوياتها، ما يجعله خروجا صريحا على القانون. ففي أي دولة، لو أقدمت مجموعة من الأشخاص على احتلال مخفر أو بلدة صغيرة، تتحرك الدولة فورًا لملاحقتهم ومصادرة سلاحهم، فكيف يُسمح لأي جهة بأن تصادر قرارًا مصيريًا كهذا؟”.
وقال:”بعد كل ما حصل خلال السنة الماضية، ومنذ تسلّم رئيس الجمهورية جوزاف عون مهماته، وتشكيل الحكومة الجديدة، وصدور البيان الوزاري وخطاب القسم، وقرارات مجلس الوزراء في الخامس والسابع من آب، يبقى السؤال الجوهري: كيف يُسمح بالاستيلاء على أغلى ما تملكه أي دولة في العالم، أي قرار الحرب والسلم؟ إن مصادرة هذا القرار، بهذه البساطة وبهذا الوضوح، تشكّل جوهر الأزمة ونقطة الانطلاق في مقاربة الواقع القائم”.
وردًا على سؤال اكد انه “حتى هذه اللحظة الدولة لم تتسلّم شيئًا فعليًا في جنوب لبنان، على الرغم من وجود تقارير عسكرية تتحدث عن تسلّم بعض الأمور، إلا أن المقصود ليس بضع قطع سلاح من هنا أو هناك، بل تسليمًا فعليًا وحقيقيًا، وأهم ما في الأمر تسلّم قرار السلم والحرب. هذا هو الأساس”، وقال:”بالاستناد إلى كلام الشيخ نعيم قاسم، يتبيّن أن الدولة لم تتسلّم شيئًا. المسألة ليست بعدد الصواريخ أو المسيّرات أو المعدات، بل مسألة قرار وسيادة. يُقال إن الدولة تُركت لتعمل، لكن كيف يمكنها ذلك إذا لم “يُفَكّ” عنها العبء الأساسي؟ لا يمكن للدولة أن تقوم بدورها طالما لم يُرفع عنها هذا الحمل”.
تابع: “لا توجد دولة صديقة للبنان أقرب إليه من المملكة العربية السعودية ودول الخليج. وهي الأقرب إلى رئيس الجمهورية الحالي، والحكومة الحالية، والمجلس النيابي الحالي، والشرعية الحالية. ومع ذلك، لا يُسمح لمواطنيهم بالمجيء إلى لبنان، لأن الحكومة لا تبذل الجهود المطلوبة بالشكل الكافي. لم يعد أحد مستعدًا لفعل شيء للبنان طالما هناك واقع اسمه حزب الله. نحن أمام معادلتين: إما أن يكون هناك تسليم فعلي للقرار جنوب الليطاني، أو أن يكون الكلام مجرد دخان سياسي. أما واقع السلاح جنوب الليطاني، فالجيش هو الجهة التقنية التي تعرف الحقيقة. عندما يقول الجيش إنه تسلّم مخازن، فهذا أمر تقني صحيح، لكن المسألة ليست في كمية السلاح. في النقاشات التي كانت تحصل مع رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، كان التأكيد دائمًا أن القضية ليست في عدد القطع التي تُسلَّم، بل في وجود تنظيم اسمه حزب الله، لديه مجلس جهادي ومسؤولون عسكريون لكل منطقة ولكل قرية. هذا التنظيم يجب أن يُحَلّ، لأن تركه على حاله يعني أن أي سلاح يُسلَّم سيُعوَّض عنه بأضعافه. الجيش يقوم بواجبه التقني بشكل صحيح، لكن القرار السياسي ليس بيده بل في يد حزب الله، والدولة هي المسؤولة عن هذا الواقع، والحكومة هي المسؤولة عنه. حتى هذه اللحظة، الدولة اللبنانية لم تتسلّم القرار فعليًا. الإصلاح مطلوب وصحيح، لكنه غير كافٍ، والدليل واضح أمام الجميع. عندما يخرج الشيخ نعيم ويعلن أنه في حال اندلاع حرب بين أميركا وإيران سيكون الموقف إلى جانب إيران، فهذا دليل واضح على أن الدولة لم تتسلم القرار بعد. لذلك، المطلوب أن تبدأ الدولة فعليًا باستعادة صلاحياتها. هناك محاولات لترتيب الأمور بالتي هي أحسن، لكن هذا لا يكفي، باعتبار أن المطلوب موقف واضح: توجيه رسالة مباشرة بأن من يضع نفسه خارج إطار القانون والدولة، تتحمّل الحكومة مسؤولية التعامل معه، بدل الاستمرار في خداع النفس وتحميل الدولة أعباء لا تستطيع حملها”.
أضاف ردًا على سؤال حول تهديدات الشيخ نعيم قاسم ومن قصد بها: “لا يدور الكلام هنا عن القوات اللبنانية أو عن سمير جعجع تحديدًا، ولا عن أي فريق سياسي بعينه، بل عن مبدأ واضح: عندما يكون هناك طرف خارج عن القانون، يُقال له ذلك بوضوح من دون أن يُبرَّر له، أو يُغطّى، أو يتم التعاطي معه بمنطق المسايرة أو الاستثناء. المشكلة ليست في موقع القوات أو غيرها، ولا في مقارنة بين أطراف سياسية أو تنظيمية، بل في مسؤولية الحكومة برئاسة فخامة رئيس الجمهورية، التي يُفترض بها أن تحدد ما يجب فعله في مثل هذه الحالات. فالمسألة لا تتعلق بما يقوم به الجيش أو بسرعة أدائه، لأنه يقوم بما يستطيع ضمن الإمكانات المتوافرة، وبالتالي لا مشكلة في وتيرة عمله. جوهر القضية سياسي قبل أن يكون عسكريًا، ويتمثّل في وجوب حلّ حزب الله عسكريًا، وهذا قرار سياسي بامتياز”.
ورأى أنه “عندما يصدر تصريح عن الشيخ نعيم قاسم على النحو الذي شهدناه، يصبح من واجب الحكومة التحرك فورًا، والتوجّه مباشرة إلى المعنيين بالأمر، ولو أن الأمر ليس سهلًا، واتخاذ قرار من هذا النوع ليس بسيطًا، لكنه يبقى ضروريًا. يمكن للحكومة، على سبيل المثال، أن تبلغ المعنيين بأن هذا النوع من الكلام مرفوض ولن يُسمح بتكراره، وأنه يشكّل خرقًا للقوانين والدستور وتجاوزًا للدولة اللبنانية، ولمجلس الوزراء، وللبيان الوزاري، ولموقع رئاسة الجمهورية. كما يمكن توجيه الجهات القضائية المختصة للتحرك فورًا، لأن ما حصل هو فعل يستوجب الملاحقة، ولا حلول كثيرة متاحة خارج هذا الإطار. من هنا، لا يمكن بناء دولة إذا بقي الجيش وحده في الواجهة من دون غطاء سياسي واضح وحاسم”.
أضاف:”في هذا السياق، يُطرح السؤال حول ما إذا كان أي قرار يصدر عن الحكومة سيُواجَه بتعطيل من وزراء تابعين للحزب، أو سيُفرغ من مضمونه داخل مجلس الوزراء، بما يؤدي إلى استمرار أقلية في التحكم بالأكثرية اللبنانية، كما حصل طوال أربعين عامًا، حين كانت الأكثرية معطّلة. اليوم، لم تعد الأكثرية معطّلة، بل باتت أكثرية فعلية. ما حصل في المجلس النيابي خير دليل، إذ وقف أحد النواب، من خارج القوات اللبنانية أو الكتائب أو أي إطار حزبي تقليدي، ووجّه كلامًا مباشرًا يدعو إلى تحمّل المسؤولية وعدم الهروب إلى الهوامش، لأن المطلوب ليس تسجيل مواقف، بل اتخاذ قرارات واضحة”.
وسأل: “هل من المفترض النزول إلى القتال؟ الجواب لا، لأن الزمن لم يعد زمن الإعداد العسكري، بل هناك دولة موجودة، وهي التي يجب أن تتخذ التدابير اللازمة التي لا تعني، بخلاف ما يعتقده البعض، النزول إلى القتال، بل تبدأ بإجراءات إدارية وقضائية ومالية، ويجب الانطلاق منها أولًا”.
وقال:”عندما يخرج أحد نواب حزب الله ليقول إن هناك وزيرين وحاكم مصرف لبنان يخنقون البيئة الحاضنة، فهذا غير صحيح. لا أحد يخنق هذه البيئة، بل من يخنقها هو من تركها وحاصرها وأدخلها في مواجهة مع الجميع، وهو من دمّرها وقراها. هذا ليس فعل الآخرين بل فعله هو. أما الوزيران جو رجي وعادل نصار، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، فهؤلاء لا يعملون بشكل فردي، بل يمثلون الدولة بكل مكوناتها. هم يطبقون البيان الوزاري وخطاب القسم وإرادة أكثرية الشعب. لا يمكن الادعاء بأن القرار اتُّخذ بشكل شخصي من أي منهم. لم يُقل لعادل نصار “يا محلا الكحل في عينك”، ولم يُقل لجو رجي الأمر نفسه، ولم يُطلب من حاكم مصرف لبنان اتخاذ أو عدم اتخاذ أي تدبير بعينه. أما الادعاء بأن الأميركيين طلبوا هذه الإجراءات، فهو غير دقيق. هذه التدابير طالب بها اللبنانيون منذ عشرين سنة. صحيح أن هناك اليوم تقاطعًا بين المصالح الأميركية ومصالح لبنان في هذه المرحلة، لكن هذا لا يعني أن القرار اللبناني ليس مستقلًا. الصراع قائم منذ أربعين عامًا، ومنذ حلّ حزب القوات اللبنانية، حين حُلّت كل الميليشيات باستثناء حزب الله، ارتفع الصوت المطالب بحل القوات، ومنذ ذلك الوقت بدأ هذا الصراع السياسي”.
وأشار إلى أنه “في ما يتعلق بموقف وزراء القوات اللبنانية من كلام الشيخ نعيم قاسم وضرورة اتخاذ موقف حكومي منه، المبدأ واضح، إلا أن هناك جدول أعمال لمجلس الوزراء، ويمكن إدراج هذا الموضوع من خارج الجدول عند الاقتضاء. هذه المسألة لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها. الانطلاق يجب أن يكون من نقطة واضحة. لا يمكن البدء بالجيش الذي لديه خطته وقد أنجزها، لكن التنفيذ السياسي يجب أن يسبق، ثم يأتي دور الجيش لاحقًا لاستكمال الإجراءات التقنية والميدانية. ويبدو واضحًا اليوم أن الدولة اللبنانية تضبط إيقاع قراراتها على وقع أي ضربة محتملة لإيران، سواء كانت إسرائيلية أو أميركية. وقد جرى الحديث عن أن قائد الجيش كان من المفترض أن يعرض خطته أمام مجلس الوزراء قبل توجهه إلى واشنطن، بحسب المعلومات المتداولة”.
أما عن احتمال وقوع ضربة على إيران، فأوضح جعجع أنه “لا يمكن الجزم بذلك، ولكن من خلال متابعة المواقف والمرجعيات الديبلوماسية ووسائل الإعلام، يبدو شبه مؤكّد أن هناك تحركات قد تسبق أي تصعيد. الدولة اللبنانية لم تعد تتحرك كما يجب لمواجهة أي تطور محتمل، وهذا أمر طبيعي سياسيًا، لكن من المهم التذكير بأن الدولة تسير منذ سنة في هذا المسار، أحيانًا بسرعة، وأحيانًا أبطأ، مع مراعاة محاولة رئيس الجمهورية معالجة القضايا بحذر لتقليل عدد المتضررين. ولكن من المستحيل معالجة الأمور من دون أن يتضرر أحد، وهو واقع ينبغي قبوله عند تقييم الأحداث. أما التداعيات على الوضع اللبناني إذا ما سقط النظام الإيراني، فهي محل رهان للقيادات الرسمية والحزبية، إذ يُفترض أن انهيار هذا النظام سيؤثر مباشرة على أذرعه في المنطقة، خصوصًا في لبنان. والسؤال الجوهري: هل سيقبل حزب الله بانهيار النظام الإيراني دون أن يتحرك؟ وما شكل ردّة فعله وسرعة اتخاذه للخطوات؟ كل هذه الأمور تبقى غير مؤكدة، وقد يحدث ما لا يُتوقع خلال لحظات، فيما الوضع قائم على عدم اليقين”.
تابع: “إلى جانب ذلك، يلاحظ أن وسائل الإعلام، وخصوصًا الأميركية منها، تعطي صورة تقريبية عن الواقع بنسبة تصل إلى 70–80%، لكنها لا تعكس التفاصيل الدقيقة، بخاصة في اجتماعات مهمة أو تحركات سياسية حاسمة. بالتالي، كل تحليل للتطورات يجب أن يأخذ في الحسبان غياب المعلومات المؤكدة، وصعوبة التكهن بنتائج أي خطوة قد تُتخذ على الصعيد الإقليمي أو المحلي”.
ورأى أن “حزب الله لا يملك أي حق في القيام بأي حركة داخل لبنان. لا يملك هذا الحق لأنه يرتكب أولاً جريمة في حق بيئته، بعدما لم يترك لها شيئًا يمكن أن تعيش منه، كما يرتكب جريمة في حق كل البيئات اللبنانية الأخرى، ويعارض كل ما تحاول الدولة الجديدة القيام به منذ سنة حتى اليوم. وهو لا يملك هذا الحق أيضًا لأن أي تحرك في ظل ميزان القوى الحالي يجب أن يُحسب بدقة، ففي أجواء الحروب تُقاس الأمور بموازين القوى. وميزان القوى القائم اليوم يعني أن أي خطوة من هذا النوع ستؤدي إلى ضرر هائل عليه وعلى بيئته بدرجة أكبر وأكبر، كما ستلحق أضرارًا بلبنان أيضًا، ولو بدرجة أقل. لذلك، فإن انعكاس هذا الواقع على لبنان، برأيي، قد يكون إيجابيًا، لأن الناس باتت ترى النتائج بوضوح. اليوم يُدفع في لبنان سنويًا ما يقارب مليار دولار مصدرها إيران، وتُدخل الأموال بوسائل مختلفة، عبر العملات الرقمية أو شركات تحويل الأموال أو بطرق أخرى. هذا موضوع بحث آخر، لكن وجود حزب الله يرتكز على عوامل عدة: هناك بعد ديني وتاريخي، وعقائدي، إلى شعور بالانتماء، وكل هذه العناصر موجودة، لكن من دون هذا الدعم المالي السنوي الكبير، ماذا يبقى؟ لا يبقى سوى الشعارات”.
اما في ما يتعلق بالنقاش حول الحكومة، فاعتبر ان “المسألة ليست دفاعًا عن الحكومة بحد ذاتها، بل دفاع عن منطق وجود الدولة. التقدير لرئيس الحكومة موجود، لكن الأساس هو الدفاع عن فكرة الدولة والمؤسسات. الشباب الذين تجمعوا في الشارع ليسوا جميعهم أصحاب انتماءات سياسية، وليسوا جميعًا نوابًا منتخبين أو ممثلين رسميين. المطلوب اليوم أن نعتاد على منطق المؤسسات، وألا يكون النزول إلى الشارع هو الحل الأول لكل مطلب. إذا نزل الجميع إلى الشارع لتحقيق مطالبهم، فما الذي يبقى من الدولة؟ تصبح دولة مفككة بلا مرجعية. المطلوب أن تُطرح المطالب عبر القنوات الدستورية والمؤسساتية، وأن تُراجع الجهات المختصة والنواب المعنيون بدل تحويل كل قضية إلى مواجهة في الشارع”.
ورأى أن “المطلوب هو حل حزب الله كتنظيم، وحل جناحه العسكري في آنٍ معًا. الجميع يعرف أن السلاح، والتنظيم، والمجلس الجهادي، ومفهوم الجهاد ككل، تشكّل جزءًا من العقيدة التي يقوم عليها الحزب. لكن السؤال المطروح : هل يمكن مصادرة هذه العقيدة أو تفكيكها؟ لا أحد يطالب بذلك. يمكن للحزب أن يحتفظ بما يشاء من قناعات فكرية وعقائدية، لكن المطلوب هو حلّ المجلس الجهادي والبنية العسكرية. لا أحد يناقش الآخر في ما يفكّر به، بل في ما يمارسه على أرض الواقع. لبنان، منذ تأسيسه عام 1945، أُنشئ ليكون دولة، لا ساحة يتصرّف فيها كل طرف كما يشاء. منذ أربعين سنة ونحن متأخرون. يكفي التذكير بما قيل سابقًا عن أن أي اعتداء من لبنان كان سيعيده إلى العصر الحجري، فإذا بنا نُعاد فعليًا إلى ما قبل هذا العصر، مع ما نعيشه اليوم من انهيار في المجالات كلها. لننظر إلى واقع المتقاعدين، وإلى حال الجنوب، وإلى أموال المودعين، وإلى الطلاب، وإلى الشباب الذين يُشكّلون ما بين 70 و80 في المئة من طاقات البلد، واسأل: أين هم اليوم؟ أربعون سنة من هيمنة هذا الواقع أخّرت لبنان عن البشرية، وضيّعت عليه فرص التنمية والعمل والمشاريع”. تابع:” أؤكد من جديد أن المسألة ليست عسكرية، وليست مشكلة الجيش أو قدراته، بل هي معضلة سياسية بالدرجة الأولى. المطلوب قرار سياسي واضح بحل الجناح العسكري لحزب الله. عناصر هذا الجناح لا يُطلب منهم مغادرة البلد أو السفر أو حمل جوازات سفر، بل الخضوع لمنطق الدولة. الدولة لا تُهاجم الضاحية الجنوبية ولا أي منطقة أخرى، ولا تدخل بالقوة، فهذا ليس الحل، باعتبار أن الحل أن تكون الدولة جدّية، وهي تملك من المقدّرات ما يفوق بكثير ما يظنّه البعض. عندها، لا يعود ممكناً لأي طرف التحرك بحرية خارج إطارها، لا عبر المطار، ولا المرفأ، ولا أي مرفق عام. الجدية تبدأ من التعامل مع ما صدر عن الشيخ نعيم قاسم منذ أيام، لأن هذا الكلام يضرب الأمن القومي اللبناني، ويمنح إسرائيل ذريعة جاهزة لأي تصعيد.
من يتحمّل مسؤولية النتائج؟ وهل يجوز ترك الأمور على هذا النحو؟ إذا اعتدى شخص على جاره، يُحاسَب ويُسجن، فكيف يُترك من يهدد كيان الدولة؟ هذا الواقع لم يعد مقبولًا، لذا يجب أن يبدأ المسار الصحيح، بعيدًا من أي التباس أو تبرير”.
أضاف: “المطلوب من حزب الله أن يتخذ قرارًا بفك جناحه العسكري، لكنه ما زال يكرر أنه يدعم ما يسميه المقاومة، ويؤكد أنه يقف إلى جانب إيران وأن ملايين الشيعة معه. نحن وكأننا نعيش حالة إنكار، أو أنهم يعيشون حالة إنكار، فيما الواقع يُغطّى عليه أكثر فأكثر. المطلوب أن يُطرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، وأن يصدر عنه قرار واضح بأن لا وجود لأجنحة عسكرية للأحزاب في لبنان، من دون استثناء أحد. أي شخص يحمل صفة عسكرية أو ينتسب إلى جناح مسلح، عليه أن يستقيل ويغادر موقعه فورًا. وأي شخص يُلقى القبض عليه بالجرم المشهود بصفته منتميًا إلى جهة عسكرية غير شرعية، يجب أن يُحاسب وفق القانون. من هنا يبدأ المسار. المطلوب فعليًا أن يتخذ مجلس الوزراء قرارًا بحل الجناح العسكري لحزب الله. هذا الأمر طُرح للبحث، ورئيس الجمهورية يحاول منذ فترة، ومن موقعه الشخصي، تجنّب الوصول إلى هذه النقطة، لكن إذا لم يكن هناك حل آخر، فلا مفر من ذلك. في نهاية المطاف، الحكومة ليست بعيدة من هذا المسار، خاصة في ظل التطورات الإقليمية. في النهاية، مجلس الوزراء هو الجهة التي يجب أن تتخذ هذا القرار، وكل المسار يبدأ من هنا. كما اتخذ مجلس الوزراء قرارًا بمنع الاتجار بالمخدرات وحوّله إلى قوانين وأدخله ضمن قانون العقوبات، يجب أن يبدأ المسار نفسه في هذا الملف. عندها يقوم الجيش بدوره في الملاحقة والتنفيذ، لكن الجيش لا يستطيع القيام بهذه المهمة من دون قرار سياسي واضح من السلطة المختصة بحل الجناحين العسكري والأمني معًا. لا يجوز أن تبقى الأمور معلّقة أو أن تُدار بطريقة غير واضحة. السياسة الخارجية للدولة يجب أن تكون بيد الدولة، وكذلك السياسة الداخلية، وأن تُدرج هذه المسألة على جدول أعمال مجلس الوزراء ليُحسم ما يجب أن يحصل. هذا الموضوع يرسم مسارًا للعهد الحالي ويضعه أمام اختبار حقيقي. إبقاء الأمور على هذا النحو يستنزف رصيد العهد ويُدخله في مأزق، بدل أن يُخرج البلاد من أزمتها”.
وردًا على سؤال حول إمكان تقديم تنازلات لتفادي التوتر في الشارع، قال: “إذا أردنا أن نكون منصفين، فقد قيل الكثير عن حزب الله، وطُرحت هذه المسائل على مدى سنوات طويلة. لا جدوى من العودة في كل مناسبة إلى اجترار الماضي أو استحضار الذكريات، لكن المقارنة تبقى مشروعة. قبل أربعين عامًا، أين كان لبنان وأين كانت دول أخرى، كالإمارات مثلًا، التي نتمنى لها النجاح لما فيه الخير لشعوبها وللعالم؟ المقارنة وحدها كفيلة بإظهار حجم التراجع الذي وصل إليه لبنان اليوم. إذا كان قد قيل الكثير عن حزب الله، فإن الحدّ الأقصى لما يمكن فعله هو التوقف عند هذا الحد، وطيّ الصفحة، وتحميل المسؤوليات، والبدء بمسار جديد قائم على الإيمان بالدولة، وبإعادة بناء المؤسسات، بدل الاستمرار في الدوران في الحلقة نفسها”.
عن الاستراتيجية الدفاعية اعتبر ان “طرح مسألة الاستراتيجية الدفاعية من جديد، كما يفعل السيد جبران باسيل وغيره، يعيدنا إلى مفاهيم خاطئة تم تكريسها في المرحلة الماضية. هذا الطرح غير صحيح. الاستراتيجية الدفاعية يضعها الجيش اللبناني، ويقرّها مجلس الوزراء أو يعدّلها، وتنتهي المسألة عند هذا الحد”.
أضاف:”لا يجوز عقد تفاهمات جانبية أو تسويات تحت الطاولة مع أي طرف، لأن ذلك لا يُسمّى استراتيجية دفاعية. الجيش هو الجهة المختصة بوضع الاستراتيجية الدفاعية، ومجلس الوزراء هو المرجعية السياسية التي توافق عليها أو تُدخل التعديلات اللازمة، وهذه هي الآلية السليمة، نقطة على السطر. وفي السياق نفسه، يجب إنهاء مسألة اللجان والآليات المرتبطة بالجنوب طالما أنها لم تعد ذات جدوى، لأننا ندور في حلقة مفرغة في الملفين العسكري والأمني بين اليونيفيل والجيش اللبناني والإسرائيليين من دون الوصول إلى نتيجة. هناك دفع أميركي واضح باتجاه إخراج الفرنسيين من لجنة الآلية، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول جدوى استمرار هذه اللجنة أساسًا. هذا الملف استُهلك سياسيًا، ولم يعد من المفيد الاستمرار فيه بالشكل نفسه. ويُطرح في المقابل سؤال عملي: لماذا لا يتم الانتقال إلى تفاوض سياسي مباشر؟ هناك حديث عن انتقال التفاوض إلى مستوى سياسي، عبر لقاءات وزارية وخارج الحدود اللبنانية، بهدف إزالة نقاط الاحتلال ووقف المسيّرات والانتقال بالبلد إلى مرحلة جديدة. هذا لا يعني تطبيعًا، بل يعني استقرارًا، وفتح آفاق اقتصادية، ومعالجة الملفات العالقة التي لا تُحل إلا على مستوى سياسي. من يتحمّل مسؤولية شعب كامل يجب أن يتعامل مع الأمور من هذا المنطلق. المطلوب إخراج لبنان واللبنانيين من وضعهم الحالي. لا يمكن الاستمرار من دون حياة اقتصادية، ومن دون إصلاح، ومن دون قرارات جريئة، بغضّ النظر عن الاعتبارات الشخصية أو العاطفية. من يتولى موقع المسؤولية لا يستطيع أن يتصرّف على أساس “يحب أو لا يحب”، أو “يريد أو لا يريد”، بل على أساس ما يجب فعله لمصلحة البلد”.
تابع:”حتى في تجارب أخرى في المنطقة، هناك من يحمل خلفيات أيديولوجية ودينية واضحة، ومع ذلك يدرك أنه لن يصل إلى أي نتيجة من دون التفاوض المباشر برعاية دولية، وقد مضى في هذا المسار.
إذا لم يكن أمامنا سوى هذا الخيار، فلماذا لا نسلكه؟ ولماذا نُبقي البلاد رهينة الجمود بدل الانتقال إلى مرحلة جديدة أكثر استقرارًا؟ عند متابعة التطورات الجارية، يبدو واضحًا ما يحصل، لكن الأهم هو تقييم الوضع بدقة. وهنا يُطرح السؤال ما إذا كان هناك أي مخرج ممكن من الوضع القائم. والواقع يشير إلى أن المخرج ضيق، ولا توجد حلول سهلة، وما علينا إلا متابعة الوضع كما هو.
نحن أيضًا متأثرون بالتطورات، ومصدومون من بعض الممارسات، فيما يشعر القادة السابقون والأجهزة الأمنية بعدم القدرة على التعامل مع الواقع بشكل كامل. أما بالنسبة للجهات المختصة، مثل الدكتور جرادي، فقد أبدى تقدمًا كبيرًا، ويدعم المقاومة بشكل واضح بعد كل الخطوات التي قام بها”.
في ما يتعلق بتباين وجهات النظر بين “حزب الله” والرئيس برّي حول حصر السلاح، أجاب: “يبقى الرئيس برّي شخصية ذكية وبارعة في التعامل مع الوضع، ويجب متابعة أ
شبكة أخبار لبنان